محمد بن جرير الطبري
194
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ورسولي ، فإنه من يبدل ذلك منكم فيغيره فإني له معاقب بالأَليم من العقوبة . وبمثل الذي قلنا في قوله : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ قال : يكفر بها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ قال : يقول : من يبدلها كفرا . حدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ يقول : ومن يكفر نعمته من بعد ما جاءته . القول في تأويل قوله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني جل ثناؤه بذلك : زين للذين كفروا حب الحياة الدنيا العاجلة اللذات ، فهم يبتغون فيها المكاثرة والمفاخرة ، ويطلبون فيها الرياسات والمباهاة ، ويستكبرون عن اتباعك يا محمد ، والإِقرار بما جئت به من عندي تعظما منهم على من صدقك واتبعك ، ويسخرون بمن تبعك من أهل ، الإِيمان ، والتصديق بك ، في تركهم المكاثرة ، والمفاخرة بالدنيا وزينتها من الرياش والأَموال ، بطلب الرياسات وإقبالهم على طلبهم ما عندي برفض الدنيا وترك زينتها ، والذين عملوا لي وأقبلوا على طاعتي ورفضوا لذات الدنيا وشهواتها ، اتباعا لك ، وطلبا لما عندي ، واتقاء منهم بأداء فرائضي ، وتجنب معاصي فوق الذين كفروا يوم القيامة بإدخال المتقين الجنة ، وإدخال الذين كفروا النار . وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة منهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا قال : الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها ، ويسخرون من الذين آمنوا في طلبهم الآخرة قال ابن جريج : لا أحسبه إلا عن عكرمة ، قال : قالوا : لو كان محمد نبيا كما يقول ، لاتبعه أشرافنا وساداتنا ، والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال : فوقهم في الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ويعني بذلك : والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه ، بغير محاسبة منه لهم على ما من به عليهم من كرامته . فإن قال لنا قائل : وما في قوله : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ من المدح ؟ قيل : المعنى الذي فيه من المدح الخير عن أنه غير خائف نفاد خزائنه ، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم قدر العطاء الذي يخرج من ملكه إلى غيره لئلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به ، فربنا تبارك وتعالى غير خائف نفاد خزائنه ، ولا انتقاص شيء من ملكه بعطائه ما يعطي عباده ، فيحتاج إلى حساب ما يعطي ، وإحصاء ما يبقي ؛ فذلك المعنى الذي في قوله : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ القول في تأويل قوله تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً . . . بَيْنَ النَّاسِ اختلف أهل التأويل في معنى الأَمة في هذا الموضع ، وفي الناس الذين وصفهم الله بأنهم كانوا أمة واحدة ؛ فقال بعضهم : هم الذين كانوا بين آدم ونوح ، وهم عشرة قرون ، كلهم كانوا على شريعة من الحق ، فاختلفوا بعد ذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو داود ، قال : ثنا همام بن منبه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون ، كلهم على شريعة من الحق ، فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ، قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا " . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً قال : كانوا على الهدى جميعا ، فاختلفوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فكان أول نبي بعث نوح . فتأويل الأَمة على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس الدين ، كما قال النابغة الذبياني : حلفت فلم أترك لنفسك ريبة * وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع يعني ذا الدين . فكان تأويل الآية على معنى قول هؤلاء : كان الناس الأَمة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد ،